
اللازورد
سماء ليلٍ زرقاء… تتناثر فيها نجومٌ ذهبية
صخرٌ أزرق يصبغه الكبريت، حملته القوافل من بدخشان إلى أور ومصر ودلمون، وطُحن فصار أغلى ألوان الرسّامين. هنا نروي حكاية اللازورد من ثلاث نوافذ: العلم، والرواية، والأسطورة.
أسئلة المقتني↓رحلة إلى أعماق الحجر
أزرقٌ عميق كسماء الليل، تتناثر فيه نجومٌ ذهبية. ليس معدنًا واحدًا بل صخرٌ كامل، يصبغه الكبريت لا المعادن الثقيلة. استُخرج من جبال بدخشان منذ آلاف السنين، وطُحن ليصير أغلى ألوان الرسّامين. تعال نتتبّع حكاية اللازورد محطةً محطة.
المحطة الأولى — صخرٌ لا معدن
اللازورد ليس معدنًا واحدًا كالياقوت أو الزمرد، بل صخرٌ يتكوّن من عدة معادن، أهمها ثلاثة12:
- اللازورديت: المعدن الأزرق الذي يمنحه لونه، وهو من مجموعة معادن «السوداليت». وقد أُعيد تعريفه واعتُمد رسميًا لدى الجمعية الدولية للمعادن، ونُشر ذلك سنة 202114.
- الكالسيت: يظهر بقعًا وخطوطًا بيضاء2.
- البيريت: يظهر نقاطًا ذهبية لامعة12.
وقد يحتوي أحيانًا على الديوبسيد والأمفيبول والفلسبار والميكا2. ولأنه صخر، تتفاوت خصائصه بحسب تركيبه: فصلادته بين 5 و6 على مقياس موس5، وكثافته نحو 2.75 بزيادة أو نقصان 0.25، ومعامل انكساره نحو 1.501.
المحطة الثانية — سرّ الأزرق الملكي
اللافت أن زرقة اللازورد لا يصنعها الحديد ولا النحاس ولا الكوبالت، بل الكبريت. ففي داخل بلّورة اللازورديت أقفاصٌ دقيقة، يُحبس فيها جزيء من ثلاث ذرات كبريت يحمل شحنة سالبة واحدة، ويسمّيه العلماء «جذر الكبريت الثلاثي»15. وهذا الجزيء هو المسؤول الأول عن اللون الأزرق في رأي أكثر الباحثين16.
أما الميل إلى الخضرة فله تفسيران: فمن جهة الكيمياء، قد يجتمع مع الجزيء الأزرق جزيءٌ آخر من ذرتي كبريت لونه أصفر، فتميل الزرقة إلى الأخضر1617. ومن جهة المظهر، يبدو اللازورد باهتًا مخضرًّا إذا كثر فيه البيريت3.
المحطة الثالثة — كيف وُلد؟ ومتى؟
يولد اللازورد حين تلتقي صخور الرخام والدولوميت بسوائل ساخنة نشطة كيميائيًا، فتتبدّل معادنها شيئًا فشيئًا1826. ويحتاج ذلك إلى الكبريت والكلور: ففي «سار سانغ» يرجّح الباحثون أن الكلور جاء من طبقات ملحية قديمة تبخّرت فيها بحار غابرة ثم دُفنت، وأن اختزال الكبريتات أدّى دورًا أساسيًا في تكوّنه19. وتذكر دراسة أن معادن مجموعة السوداليت في رواسب اللازورد الكريم تكوّنت في درجات حرارة دون 600 درجة مئوية16، بينما تقدّر دراسات أخرى ظروف التحوّل في «سار سانغ» بأفغانستان بنحو 750 درجة تحت ضغط هائل1920؛ فالتقديرات تختلف بحسب المنجم والدراسة.

كم عمر اللازورد؟ المفاجأة أن أشهر مناجمه، «سار سانغ» في بدخشان، لم يُؤرَّخ اللازورد فيه مباشرة حتى اليوم. والمعروف أعمار الصخور المحيطة به، وأعمار ما مرّ عليها من أحداث:
| المنجم | العمر التقريبي | ملاحظة |
|---|---|---|
| أفغانستان (سار سانغ، بدخشان) | غير محدَّد | الصخور الحاضنة قديمة جدًا، يتجاوز عمرها ملياري سنة، أما اللازورد نفسه فلم يُؤرَّخ بعد1921. وقد بردت صخور المنطقة قبل نحو 22 إلى 17 مليون سنة مع الارتفاع التكتوني المرتبط بنشوء الهيمالايا19 |
| روسيا (بحيرة بايكال) | نحو 480 – 474 مليون سنة (تقديرًا) | عمر صخور جرانيتية تحدّد زمن التحوّل الحراري الذي نشأ فيه اللازورد، لا تأريخ مباشر له22 |
| تشيلي (فلور دي لوس أنديس) | نحو 13 – 9 ملايين سنة | قبل نحو 24 مليون سنة اخترقت صهارة جرانيتية صخورًا جيرية من العصر الطباشيري، فتكوّنت في هالة التماس معادن كلسية سيليكاتية ومعدن «الهاوين»، وقدّر الباحث حرارة تكوّن معدن «الولاستونيت» في نطاق التماس بنحو 500 إلى 550 درجة. ثم تحوّل الهاوين إلى لازورد حين أدخلت سوائل حارة الكبريت إليه قبل نحو 13 إلى 9 ملايين سنة23 |
| الولايات المتحدة (كولورادو) | العصر الثلاثي (أقل من 66 مليون سنة) | رخام قديم حوّلته حرارة صخور نارية اخترقته في العصر الثلاثي24 |
| كندا (جزيرة بافن) | ما قبل الكامبري (أقدم من 540 مليون سنة) | طبقات ملحية قديمة تحوّلت تحت حرارة وضغط عاليين24 |
المحطة الرابعة — مناجمه حول العالم
| المصدر | ما يميّزه |
|---|---|
| أفغانستان (بدخشان) | المصدر الرئيسي في العالم، ومصدر أجود ألوانه2. يوجد في عدسات داخل الرخام قد يبلغ سمكها 6 أمتار26. وقبل سنة 1979 كان إنتاجه نحو طن في السنة، لا يتجاوز الصنف الأعلى منه نحو 2%9 |
| تشيلي (جبال الأنديز) | يُستخرج منذ سنة 1905 بنحو 150 طنًا في السنة10، وتكثر فيه المعادن الرمادية والبيضاء، كالولاستونيت والكالسيت10 |
| روسيا (بحيرة بايكال) | من المصادر الكبرى2. وفي دراسات بحثية أولية على عدد محدود من العيّنات ظهرت فيه علامات كيميائية قد تميّز منشأه، كارتفاع الباريوم والسترونشيوم25 |
| طاجيكستان (جبال البامير) | منجم لازورد13، وفي دراسات بحثية أولية على عدد محدود من العيّنات ظهرت له علامات معدنية قد تميّز منشأه25 |
| الولايات المتحدة (كولورادو) | يصفه مصدر بأنه داكن اللون كثير البيريت29، ويصف بحثٌ علمي عيّناتٍ منه بأنها شاحبة اللون عادة24 |
| كندا، أنغولا، باكستان | مصادر ثانوية2 |
المحطة الخامسة — ما يرفع قيمته
- اللون أولًا: وهو أهم عوامل الجودة عند GIA4. وأجوده أزرق مائل قليلًا إلى الأخضر أو إلى البنفسجي، متوسط إلى داكن، عالي التشبّع3.
- الكالسيت: أثمن اللازورد ما خلا من الكالسيت الظاهر، والخطوط البيضاء تنقص قيمته34.
- البيريت: النقاط الذهبية الصغيرة المنتشرة بتوازن لا تنقص القيمة، بل يحتويها أجود اللازورد. أما كثرتها فتجعل الحجر باهتًا مخضرًّا3.
| الدرجة التجارية | وصفها عند GIA |
|---|---|
| «الفارسي» أو «الأفغاني» | أزرق مائل قليلًا للبنفسجي، شديد متجانس، متوسط الدكنة، بلا كالسيت، وقليل البيريت أو خالٍ منه3 |
| «الروسي» أو «السيبيري» | درجات وشدّات مختلفة من الأزرق3 |
| «التشيلي» | كثيرًا ما تشوبه الخضرة أو البقع الخضراء، والكالسيت فيه ظاهر3 |
تنبيه من GIA: هذه أسماء لدرجات الجودة، ولا تعني بالضرورة أن الحجر جاء من البلد المذكور3.
المحطة السادسة — الغشّ في اللازورد
اللازورد من أكثر الأحجار تعرّضًا للمعالجة والتقليد، ولذلك أفردنا لها هذه المحطة.
أولًا: المعالجة.
- الصبغ: وهو من أشيع ما يُعالج به اللازورد31، لتحسين لونه وإخفاء الكالسيت الأبيض4. ولهذا يُعدّ كل لازورد داكن جدًا موضع شكّ يستحق الفحص31. وثبات الصبغ متوسط فقط6.
- الشمع والزيت: يُشرَّب بهما اللازورد غير المصبوغ أحيانًا، وثبات هذه المعالجة متوسط فقط6.
- التغليف بالشمع أو البلاستيك: يُغلَّف به اللازورد المصبوغ أحيانًا ليحبس الصبغ، والشمع يتلف بالحرارة والمذيبات5.
ثانيًا: المقلَّدات. وهي أحجار ليست لازوردًا أصلًا:
| المقلِّد | حقيقته | كيف يُكشف؟ |
|---|---|---|
| «اللازورد السويسري» أو «الألماني» | جاسبر مصبوغ بالأزرق2829. ويُقلَّد اللازورد أيضًا بالهاولايت المصبوغ29 | الفحص المخبري؛ فاللازورد الطبيعي يتميّز تحت التكبير بحبيبات زرقاء وبيضاء وصفراء معدنية متجاورة11 |
| السوداليت | حجر طبيعي أزرق يشبهه، وهو المشابه الطبيعي الوحيد المتوفر بأحجام كبيرة29 | خلوّه من البيريت، وكثافته أقل (نحو 2.14 – 2.40)2930 |
| «لازورد جيلسون» | ظهر في أوائل السبعينيات، وتعدّه GIA تقليدًا لا لازوردًا مصنَّعًا8، وهو لون «الألترامارين» الصناعي مع مادة رابطة32 | عناصر كيميائية لا توجد في اللازورد الطبيعي32 |
| زجاج الكوبالت | زجاج أزرق11 | كثافته نحو 2.45، وخلوّه من البيريت، وخطوط امتصاص الكوبالت في المطياف11 |
| المُعاد تكوينه | مسحوق لازورد مع قطع بيريت في مادة بلاستيكية9 | الفحص المجهري في المختبر |
| إسبينل مصنَّع، وسيراميك وبلاستيك وزجاج | مواد صناعية تقلّد مظهره79 | الفحص المخبري7 |

المحطة السابعة — في المختبر
يجمع الفاحص بين أكثر من دليل:
- المجهر: يظهر اللازورد الطبيعي تحت التكبير حبيباتٍ صغيرة زرقاء وبيضاء وصفراء معدنية متجاورة11.
- الكثافة: متوسط كثافة اللازورد نحو 2.8011، وهي أعلى من كثافة السوداليت وزجاج الكوبالت.
- الحمض: يتحلّل اللازورديت بحمض الهيدروكلوريك فتنبعث رائحة كالبيض الفاسد2729، وهو اختبار متلف لا يجريه إلا المختصّ.
- التحليل الكيميائي: يكشف العناصر الغريبة في المقلّدات كتقليد جيلسون32.

المراجع العلمية (32)اضغط للعرض
◆ المراجع الجيمولوجية المعتمدة — GIA · Lotus Gemology
- GIA — «Lapis Lazuli» (Gem Encyclopedia) — الرابط
- GIA — «Lapis Lazuli Description» — الرابط
- GIA — «Lapis Lazuli Quality Factors» — الرابط
- GIA — «Lapis Lazuli Buyer's Guide» — الرابط
- GIA — «Lapis Lazuli Care and Cleaning» — الرابط
- GIA — «How is lapis lazuli enhanced?» — الرابط
- GIA — «How is lapis lazuli imitated?» — الرابط
- GIA — «Gem Imitation» — الرابط
- GIA — Wyart وآخرون، «Lapis Lazuli from Sar-e-Sang, Badakhshan, Afghanistan»، Gems & Gemology، 1981 — الرابط
- GIA — Coenraads & Canut de Bon، «Lapis Lazuli from the Coquimbo Region, Chile»، Gems & Gemology، 2000 — الرابط
- GIA — Bosshart، «Cobalt Glass as a Lapis Lazuli Imitation»، Gems & Gemology، 1983 — الرابط
- GIA — Lab Notes (لازورد مصبوغ ومشمّع)، Gems & Gemology، 1981 — الرابط
مراجع أخرى
- Handbook of Mineralogy — «Lazurite» — الرابط
- Sapozhnikov وآخرون، «Lazurite: validation as a mineral species»، Zapiski RMO، 2021 — الرابط
- Sapozhnikov وآخرون، American Mineralogist، 2021 (جذر الكبريت الثلاثي) — الرابط
- Chukanov وآخرون، Minerals، 2020 — الرابط
- Farsang وآخرون، American Mineralogist، 2023 — الرابط
- Aleksandrov & Senin، Geochemistry International، 2006 — الرابط
- Giuliani وآخرون، Mineralium Deposita، 2018 — الرابط
- S.W. Faryad، Journal of Petrology، 2002 — الرابط
- S.W. Faryad، Precambrian Research، 1999 — الرابط
- Kotov وآخرون، Petrology، 1997 (سليوديانكا، بايكال) — الرابط
- J. Cuitiño، Revista Geológica de Chile، 1986 — الرابط
- Hogarth & Griffin، Canadian Mineralogist، 1980 — الرابط
- Lo Giudice وآخرون — دراسة منشأ اللازورد — الرابط
- IUGS Geoheritage — «Sar-e-Sang lapis lazuli deposit» — الرابط
- CAMEO (Museum of Fine Arts, Boston) — «Lapis lazuli» — الرابط
- CAMEO (Museum of Fine Arts, Boston) — «German lapis» — الرابط
- International Gem Society — «Lapis Lazuli» — الرابط
- International Gem Society — «Sodalite» — الرابط
- International Gem Society — «Dye Testing» — الرابط
- المختبر المركزي للجمارك اليابانية — تحليل لازورد جيلسون — الرابط
ما رُوي في فضل الأحجار وآداب التختّم
منهجنا في هذا القسم
ننقل النصوص كما وردت في مصادرها، مع ذكر الكتاب والجزء والصفحة ورقم الحديث، دون الحكم عليها أو الترجيح بينها.
وأمانة البحث تقتضي البيان: لم نقف، فيما راجعناه من مصادر الحديث، على روايةٍ تذكر اللازورد. فأبواب التختّم في «وسائل الشيعة» تذكر من الأحجار: العقيق، والياقوت، والحديد الصيني، وحصى الغريّ، والزمرد، والفيروزج، والجزع اليماني، والبلّور، ولا تذكر اللازورد1.
لكن ياقوت الحموي ذكر أن لازورد بدخشان «يُعمل منه فصوص الخواتم»3، فعرفه أهل الخواتم قديمًا. ونكتفي هنا بما ورد عامًّا في التجمّل والتختّم:
في الزينة — «يحبّ الجمال والتجمّل»
عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
«إن الله عز وجل يحبّ الجمال والتجمّل، ويبغض البؤس والتباؤس»
الكليني، الكافي 6: 440، ح14 · الحر العاملي، وسائل الشيعة 5، ح57382
في التختّم — «من السنّة لبس الخاتم»
عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
«من السنّة لبس الخاتم»
الكليني، الكافي 6: 468، ح3 · الحر العاملي، وسائل الشيعة 5، ح59621
حكايات نسجتها الحضارات عبر العصور
حجرٌ حملته القوافل من جبال بدخشان إلى أور ومصر ودلمون، وزيّن كنوز ملكة سومرية وقناع توت عنخ آمون، ثم طُحن ليصير أغلى ألوان الرسّامين، حتى نافس الذهب. هذه حكايات اللازورد كما روتها الحضارات.
الحكاية الأولى — أقدم منجم للأحجار الكريمة
يرى المؤرخون أن صلة الإنسان باللازورد تمتدّ أكثر من 6,500 عام، وتعدّ GIA مناجم بدخشان في أفغانستان أقدم مصادر الأحجار الكريمة التجارية المعروفة في العالم1. وأشهر هذه المناجم «سار سانغ»، أي «موضع الحجارة»، وتقع أعمالها على ارتفاع بين 2700 و3400 متر، في سفح جبل شديد الانحدار5. وفي سنة 1271 وصفها الرحّالة ماركو بولو2.
الحكاية الثانية — طريق اللازورد
وإلى عهد قريب كانت كتل اللازورد الخام تُحمل من المناجم على ظهور الرجال، ثم على الحمير5. وفي «شهر سوخته» بإيران قامت ورش كبيرة لتهذيبه بين نحو 2700 و2400 قبل الميلاد، ثم كان يُرسَل شبهَ مصنَّع إلى بلاد الرافدين6. بل يبدو أن «شورتوغاي» في شمال أفغانستان كانت مستوطنةً تجارية لحضارة وادي السند قرب مصادر اللازورد الكبرى7.
الحكاية الثالثة — لازوردٌ إلى دلمون
في إحدى نسخ أسطورة سومرية قديمة عنوانها «إنكي ونينهورساغ»، يُدعى لدلمون، أي البحرين القديمة، بأن تُحمل إليها خيرات البلاد، ومنها: «الذهب… واللازورد»9. وكانت دلمون مركزًا للتجارة البحرية بين وادي السند وبلاد الرافدين في تلك العصور8.
الحكاية الرابعة — كنوز أور
في المقبرة الملكية بمدينة أور، التي تعود إلى نحو 2600–2500 قبل الميلاد، وُجد بجوار رأس الملكة «بو آبي» إكليلٌ من آلاف من خرز اللازورد الصغير، تتدلّى منه حُليّ ذهبية على هيئة نباتات وحيوانات10. ومن كنوز المقبرة نفسها «راية أور» المرصّعة بالصدف والحجر الجيري الأحمر واللازورد11، وتمثال «الكبش في الأجمة» بقرونٍ وعيونٍ من اللازورد12، ورأس ثور ذهبي بلحية من اللازورد يزيّن قيثارة13.
الحكاية الخامسة — إنانا وعصا اللازورد
في النصوص السومرية يتكرّر اللازورد رمزًا للقداسة. ففي قصة «نزول إنانا إلى العالم السفلي» تتزيّن الإلهة بخرز اللازورد، و«تمسك بيدها عصا القياس وحبل القياس من اللازورد»، ثم تُنزع منها عند أبواب العالم السفلي14. وفي قصة «إنمركار وسيد أرتا» يطلب ملك أوروك من أرض الجبال أن يُقطع له «اللازورد الصافي من كتله»15.
الحكاية السادسة — قناع توت عنخ آمون
في القناع الذهبي الشهير للملك توت عنخ آمون، رُصّعت الحواجب والجفون باللازورد، وفي قلادته العريضة أحجار كريمة وزجاج ملوّن16. وكان المصريون يشبّهون شعر الآلهة الداكن باللازورد الأزرق العميق، ومن ذلك لحية برونزية من تمثال إله كبير طُعّمت بزجاج أزرق داكن17.
الحكاية السابعة — كحل كليوباترا… أسطورة بلا دليل
تنتشر حكاية أن كليوباترا كانت تتكحّل بمسحوق اللازورد. لكن بحثًا علميًا منشورًا سنة 2006 وصف ذلك بأنه «تخمين محض»، ولم تجد أي تحليل منشور يثبت أن اللازورد استُعمل كحلًا في مصر القديمة. فكحل المصريين الأسود كان من خام الغالينا، والأخضر من الملاكيت18.
الحكاية الثامنة — «سافيروس» بلينيوس
وصف بلينيوس الروماني حجرًا سمّاه «سافيروس» فقال: «يتلألأ ببقعٍ كالذهب»، ويرى مترجمو كتابه أنه ليس السفاير الذي نعرفه اليوم، بل اللازورد على الأرجح، وأن بقعه الذهبية هي البيريت19.
الحكاية التاسعة — اللازورد عند العرب
كلمة «اللازورد» فارسية الأصل عُرّبت25، ومنها جاءت كلمة «لازولي» في اسمه الأوروبي، وكلمة «أزور» التي تعني الأزرق السماوي في الفرنسية والإنجليزية2324.
وقد أفرد له البيروني بابًا في «الجماهر» فقال: «والجيد منه يُجلب من جبال كرّان وراء شِعب بنجهير»، ونقل عن «نصر» أن «معدنه قرب جبل البيجاذي ببدخشان». ووصف لونه بأنه «يضرب إلى لون النيل، وربما مال إلى السواد»، وأن على وجهه المصقول «كواكب ذهبية». وقال إنه يُطحن «ويُستعمل في الأصباغ»، فيأتي منه «صبغٌ مؤنق لا يدانيه شيء من أشباهه»20.
وحين نقل البيروني قول الرازي إن هذه الأحجار «ذهبية»، علّق بأنه ربما قال ذلك من أجل «العيون اللامعة من اللازورد»، وإلا فهي عنده «نحاسية»21. أما العلم اليوم فيعرف أن هذه النقاط بيريت، أي كبريتيد الحديد، فليست ذهبًا ولا نحاسًا.
وقال ياقوت الحموي في بدخشان: «وفي جبلهم هذا أيضًا معدن اللازورد الذي يُزوَّق ويُعمل منه فصوص الخواتم»22.
ونقل القزويني (ت 682هـ) في «عجائب المخلوقات» عن كتاب الأحجار المنسوب إلى أرسطو أن اللازورد «حجرٌ به رخاوة، وهو مشهور، من تختّم به نبُل في أعين الناس»40.
الحكاية العاشرة — أزرقُ ما وراء البحار
حين طُحن اللازورد صار لونًا يسمّيه الأوروبيون «ألترامارين»، أي «ما وراء البحار»، لأنه جاءهم من بلاد بعيدة26. وكان غاليًا جدًا لصعوبة الحصول عليه، فكثيرًا ما رسموا به ثوب السيدة مريم27. وقال عنه الرسّام الإيطالي «تشينينو تشيني» نحو سنة 1400: «لونٌ رفيع جميل، أكمل من كل الألوان»28. وقيل إن ثمنه كان يعادل وزنه ذهبًا، وكان الرعاة يقدّمونه للرسّام بأنفسهم كما يقدّمون رقائق الذهب293.
وفي لوحة «الدفن» التي لم يكملها مايكل أنجلو، بقي مكانٌ فارغ يُرجّح أنه كان مخصّصًا للسيدة مريم، وكان ثوبها يحتاج إلى الألترامارين30. ورسم به تيتيان سماءه في «باخوس وأريادني»31، ورسم به فيرمير عمامة «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي»32.
الحكاية الحادية عشرة — أقدم لوحات زيتية في العالم
في كهوف «باميان» بأفغانستان، قرب موطن اللازورد نفسه، وُجد أن الرسّامين البوذيين استعملوا الألترامارين الطبيعي بكثرة في جدارياتهم33. وكشفت دراسة سنة 2008 أن جداريات منتصف القرن السابع الميلادي هناك أقدم مثال واضح على الرسم الزيتي في العالم34.
الحكاية الثانية عشرة — جائزة الستة آلاف فرنك
لغلاء الألترامارين، عرضت جمعية فرنسية سنة 1824 جائزة قدرها ستة آلاف فرنك لمن يصنعه صناعيًا. وفي 4 فبراير 1828 نالها الكيميائي «جان باتيست غيميه»35. وكان ألترامارين غيميه يُباع بنحو 400 فرنك للرطل، في حين بلغ رطل اللازورد في باريس آنذاك بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف فرنك35.
الحكاية الثالثة عشرة — قصور القياصرة وقصر ميديتشي
في قصر كاترين بمدينة «تسارسكوي سيلو» قاعة تُعرف بـ«قاعة ليون»، فيها ثلاثة أبواب مؤطرة باللازورد وألواح فسيفساء منه، وأُعيد افتتاحها بعد ترميمها سنة 201936. وفي كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ أعمدة من الملاكيت واللازورد37. وفي فلورنسا قارورة من اللازورد والذهب صُنعت سنة 1583–1584 لأحد أمراء آل ميديتشي38. وفي الهند يزيّن اللازورد داخل تاج محل مع اليشم والعقيق والجاسبر4.
الحكاية الرابعة عشرة — بين الأسطورة والتجربة
يُباع اللازورد اليوم على أنه «حجر الحكمة والصدق». فهل للأحجار تأثير مادي على الإنسان؟ في تجربتين أجراهما عالم النفس كريستوفر فرنش، شارك في كلٍّ منهما 80 متطوعًا، أمسكوا إما بأحجار كوارتز حقيقية أو بزجاج مقلّد يشبهها، فوصف الفريقان أحاسيس متشابهة. وخلص إلى أنها من قوة الإيحاء، لا من قوة الحجر39.
والتجربتان عُرضتا في مؤتمرين علميين، ولم تُنشرا في مجلة محكّمة39.
مصادر الحكايات (40)اضغط للعرض
◆ المراجع الجيمولوجية المعتمدة — GIA · Lotus Gemology
- GIA — «Lapis Lazuli History and Lore» — الرابط
- GIA — «Lapis Lazuli» (Gem Encyclopedia) — الرابط
- GIA — LeCroy، «Gems on Canvas»، Gems & Gemology، 2022 — الرابط
- GIA 4Cs — «Bejeweled Buildings» — الرابط
- GIA — Wyart وآخرون، «Lapis Lazuli from Sar-e-Sang, Badakhshan, Afghanistan»، Gems & Gemology، 1981 — الرابط
مراجع أخرى
- Tosi & Piperno، «Lithic Technology Behind the Ancient Lapis Lazuli Trade»، Expedition (Penn Museum)، 1973 — الرابط
- J.M. Kenoyer، «The Indus Valley Tradition of Pakistan and Western India»، Journal of World Prehistory، 1991 — الرابط
- UNESCO World Heritage Centre — «Qal’at al-Bahrain – Ancient Harbour and Capital of Dilmun» — الرابط
- ETCSL (University of Oxford) — «Enki and Ninhursaja» — الرابط
- Penn Museum — «Queen Puabi» — الرابط
- British Museum — «The Standard of Ur» — الرابط
- British Museum — «Ram in a Thicket» — الرابط
- Penn Museum — رأس ثور من قيثارة أور (9347) — الرابط
- ETCSL (University of Oxford) — «Inana's descent to the nether world» — الرابط
- ETCSL (University of Oxford) — «Enmerkar and the lord of Aratta» — الرابط
- Global Egyptian Museum — «Gold Mask of Tutankhamun» — الرابط
- The Metropolitan Museum of Art — «Beard from a large statue» (550783) — الرابط
- A. D. Hardy وآخرون، «Egyptian Eye Cosmetics ("Kohls"): Past and Present»، Physical Techniques in the Study of Art, Archaeology and Cultural Heritage (Elsevier)، 2006 — الرابط
- Pliny the Elder — Natural History 37.39، ترجمة Bostock & Riley، Perseus — الرابط
- البيروني، الجماهر في معرفة الجواهر، «في ذكر اللازورد» (المكتبة الشاملة) — الرابط
- البيروني، الجماهر في معرفة الجواهر، «الدهنج» (المكتبة الشاملة) — الرابط
- ياقوت الحموي، معجم البلدان ج1 ص360، «بذخشان» (المكتبة الشاملة) — الرابط
- Etymonline — «lapis lazuli» — الرابط
- Etymonline — «azure» — الرابط
- Lane's Arabic-English Lexicon — «لازورد» — الرابط
- Fitzwilliam Museum — «Ultramarine» — الرابط
- National Gallery, London — «Colour stories: blue» — الرابط
- Cennino Cennini، «Il Libro dell'Arte»، الفصل 62 — الرابط
- Hoeniger، Journal of the American Institute for Conservation، 1991 — الرابط
- National Gallery, London — Michelangelo، «The Entombment» — الرابط
- National Gallery, London — Titian، «Bacchus and Ariadne» — الرابط
- Mauritshuis — «Girl with a Pearl Earring» — الرابط
- Taniguchi وآخرون، تحليل مواد جداريات باميان، Tobunken، 2006 — الرابط
- ESRF — «Bamiyan: the earliest oil paintings»، 2008 — الرابط
- WebExhibits — «Pigments through the Ages: Ultramarine» — الرابط
- Tsarskoye Selo State Museum — «Lyons Hall» — الرابط
- St Isaac's Cathedral Museum — «The Building» — الرابط
- Uffizi Galleries — «Flask» (Buontalenti) — الرابط
- C. C. French (Goldsmiths, University of London) — «Romance in the stones? The power of crystals vs the power of suggestion»، The Skeptic، 2021 — الرابط
- القزويني، عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، النوع الثاني في الأحجار، ص205، «حجر لازورد» (المكتبة الشاملة) — الرابط
اقتنِ اللازورد
قطع متوفرة الآن، تُضاف إليها تلقائيًا كل قطعة جديدة. وإن لم تجد ما يناسبك، نصنعه لك خصيصًا.
لا تتوفر حاليًا قطعة جاهزة من اللازورد… لكن يمكننا أن نختار لك حجرًا مفحوصًا في مختبرنا ونصوغه لك خصيصًا.
صمم خاتمك الخاصقبل أن تقتني اللازورد
أسئلة المقتني
ستة أسئلة يطرحها كل مقتنٍ واعٍ، بأجوبة موثّقة من مراجع علمية.
1كيف أتيقّن من أصالة اللازورد؟
اللازورد ليس معدنًا واحدًا بل خليطٌ من عدة معادن1، وهذه بصمته: تحت التكبير تظهر فيه حبيبات صغيرة زرقاء وبيضاء، وكثيرًا ما تكون بينها حبيبات صفراء معدنية، ونمط الزجاج المقلِّد يختلف عنها2. ومن مقلّداته:
- الزجاج والبلاستيك والسيراميك3.
- الجاسبر المصبوغ المسمّى تضليلًا «اللازورد السويسري»، والهاولايت المصبوغ4.
- السوداليت: حجر طبيعي يشبهه، ويتميّز بخلوّه من البيريت5.
- «لازورد جيلسون»: تعدّه GIA تقليدًا لا لازوردًا مصنّعًا، لاختلاف بعض مكوّناته وخصائصه عن الطبيعي1.
والكثافة دليل مساعد: متوسطها في اللازورد نحو 2.80، وزجاج الكوبالت المقلِّد أخفّ منه بوضوح2.
2ما المعالجة المقبولة، وما الذي يُنقص قيمته؟
قد يُصبغ اللازورد لتحسين لونه وإخفاء الكالسيت الأبيض، وقد يُشرَّب غير المصبوغ منه بالشمع أو الزيت لتحسين اللون واللمعان. وثبات هذه المعالجات مقبول فقط، والجيمولوجي يستطيع كشفها3.
- بعض معالجات الصبغ غير ثابتة6.
- قد يخرج الصبغ بمسحة أسيتون أو كحول، ولذلك يُغلَّف بعض المصبوغ بالشمع أو البلاستيك6.
فالصبغ يُخفي البياض الذي يُنقص القيمة3، ولا يزيله. والقاعدة: على البائع أن يُعلم المشتري بالمعالجة وبما تتطلبه من عناية خاصة7.
3ما الذي يصنع ندرته وقيمته؟
- اللون أولًا: قيمة اللازورد تكاد تتحدّد باللون وحده4. ولونه المعتاد أزرق مائل قليلًا إلى الخضرة أو البنفسجية، متوسط إلى داكن، عالي التشبّع8.
- خلوّه من الكالسيت: أثمنه بلا كالسيت ظاهر، والخطوط البيضاء تُنقص قيمته8.
- البيريت باعتدال: النقاط الصغيرة المنثورة بتناسق لا تُنقص القيمة بالضرورة، وكثرتها تجعل الحجر باهتًا مخضرًّا8.
- الدرجة التجارية: أعلاها ما يُسمّى في السوق «الأفغاني» أو «الفارسي»: أزرق شديد متجانس مائل قليلًا إلى البنفسجية، بلا كالسيت وبقليل من البيريت أو بلا بيريت8، وأفغانستان مصدر أجود اللازورد في العالم4.
4كيف أقرأ شهادته؟
تُقيّم GIA اللازورد ولا تمنحه درجة جودة؛ وتقرير الهوية يبيّن أطبيعي هو أم مصنّع في المختبر، ويذكر أي معالجة يمكن كشفها3. ابحث فيه عن:
- الاسم: لازورد، وهو في تصنيف CIBJO صخر لا معدن7. فإن كُتب جاسبر أو سوداليت أو «تقليد» فليس لازوردًا.
- المعالجة: هل ذُكر الصبغ، أو التشريب بالشمع أو الزيت3؟
ولا تعتمد على اسم الدرجة التجارية في الفاتورة: فـ«التشيلي» مثلًا اسم لدرجة جودة، ولا يعني أن الحجر من تشيلي8. ثم تحقّق من رقم التقرير في قاعدة بيانات المختبر3.
5كيف يُصان ليبقى إرثًا؟
6ما النقاط الذهبية في اللازورد؟ وهل كثرة البياض عيب؟
النقاط الذهبية ليست ذهبًا، بل معدن البيريت ببريقه المعدني، أما البقع والخطوط البيضاء فهي الكالسيت8.
- البيريت: إن كان نقاطًا صغيرة منثورة بتناسق فلا يُنقص القيمة بالضرورة8، بل يراه كثير من المقتنين ميزة4. أما كثرته فتجعل الحجر باهتًا مخضرًّا8.
- البياض: نعم، الكالسيت يُنقص القيمة في الغالب، وكلما قلّ كان الحجر أفضل4. ودرجة «التشيلي» تُعرف بكالسيتها الظاهر8.
وتنبيه: النقاط الذهبية لا تثبت الأصالة؛ فقد وُصف تقليد من زجاج أزرق خاص فيه بلّورات نحاس تحاكي بريق البيريت2. وغياب البياض لا يثبتها أيضًا، فالصبغ قد يُستعمل لإخفاء الكالسيت3.
مراجع الأجوبة (8)
- GIA — Gem Imitation — الرابط
- GIA — Bosshart، «Cobalt Glass as a Lapis Lazuli Imitation»، Gems & Gemology، 1983 — الرابط
- GIA — Lapis Lazuli Buyer's Guide — الرابط
- IGS (International Gem Society) — Lapis Lazuli Value, Price, and Jewelry Information — الرابط
- IGS (International Gem Society) — Sodalite Value, Price, and Jewelry Information — الرابط
- GIA — Lapis Lazuli Care and Cleaning Guide — الرابط
- CIBJO — The Gemstone Book (2022) — الرابط
- GIA — Lapis Lazuli Quality Factors — الرابط
سؤالك غير موجود؟اسأل خبير السيد للأحجار الكريمة مباشرة.
اسأل عبر واتسابحجران… وحكاية
أحجار أخرى في الموسوعة
كن أول من يقرأ الحجر القادم
كلما كشفنا أسرار حجر جديد أو نشرنا مقالًا جديدًا في الموسوعة، تصلك رسالة واحدة أنيقة على بريدك. بلا إعلانات ولا إزعاج.
رسالة تأكيد أولًا، ويمكنك إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة متى شئت.




